آخر الأخبار
أ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافي
طباعة الصفحة طباعة الصفحةRSS Feed مقالاتRSS Feed أ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافي RSS Feedأ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافيواجبات الطبيب وأخلاقية مهنة الطب


مقدمة في تاريخ الصيدلة
بقلم/ أ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافي
نشر منذ: أسبوعين و 3 أيام و 17 ساعة
الخميس 21 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 03:48 ص



ـ مقدمة في تاريخ الصيدلة


أ. فوائد دراسة تاريخ الصيدلة والعقاقير:
ـ يجمل بنا في مستهل هذه المحاضرات أن نبين بوضوح دراسة تاريخ الصيدلة والعقاقير:
1–هناك أولا دافع مهني وإنساني في الوقت نفسه نستطيع أن نسميه بالكرامة المهنية؛ إذ أن الصيدلي ليس بتاجر خردوات أو بقالا وإنما هو رجل عالم فني يحل في المجتمع محلا مرموقا لا من الوجهة المادية أو الاجتماعية فحسب بل من الوجهة العلمية والثقافية أيضا، فلابد له أن يوسع أفقه و أن يكون رجلا مثقفا إنسانا غير محصور في حدود مهنته الضيقة.
ـ وليس أجدر من تاريخ مهنته بأن يرفع مستواه الثقافي، وأن يجعله يشعر بما يخرج عن نطاقه الثقافي.
"فمثلا عندما نقرأ عن آبائنا العرب فتجد أن العالم في الصيدلة لا يقف عند هذا العلم أو التخصص بل كان لديه تخصصات أخرى بجانب علم الصيدلة فمثلا نجد ابن سيناء كان مفسرا للقرآن الكريم بجانب علمه الذي اعتبر مدرسة طبية أخذت أوربا وغيرها علم الطب عنه وعن غيره من علماء العرب والمسلمين، وكذا الإمام الرازي؛ وعبد اللطيف البغدادي كان طبيبا ومحدثا؛ والشريف الإدريسي؛ وهو محمد بن عبد الله بن إدريس الحسيني كان فاضلا عالما بقوى الأدوية المفردة ومنافعها، اشتهر الإدريسي فضلا عن علم الجغرافيا، بعلم الفلك والصيدلة، والنبات، وكان على ثقافة أدبية واسعة يدلنا عليها إنشاؤه وشعره، كما كان على ثقافة رياضية كاملة، من حساب وهندسة، وفلكية وسياسية، بالإضافة إلى معرفته بالطب كعالم نبات، وكان الإدريسي أول من رسم خرائط صحيحة للعالم.
ـ والمطلوب من الصيدلي الآن أن يلم بعلوم الصيدلة ويتقن هذا العلم أيما إتقان، وأن يكون ملما أيضا بتشريعات وأخلاقيات مهنة الصيدلة، بالإضافة إلى مفهوم الاقتصاد الصيدلاني، ومفهوم الجودة الشاملة للدواء، وان يكون على دراية كاملة بأوضاع المريض الاقتصادية والاجتماعية وأن يختار له الدواء الناجع وبأقل الأسعار، وان يكون مدركا لما يدور حوله من مؤامرات على أمته العربية والإسلامية، وأن يكون منتميا لأحدى الجمعيات الخيرية أو المراكز الخيرية سواء كانت طبية أو غيرها بهدف توسيع خدماته الصيدلانية في المجتمع".
2–ويمكننا أن نضيف إلى هذا الدافع المهني والإنساني سببا آخر يمت إلى أمتنا العربية الإسلامية بصلة وثيقة فقد ترك لنا أجدادنا في الحضارة العربية القديمة، مثل الحضارة البابلية، والسومرية، ويجدر بنا هنا أن نشير إلى الحضارة الفرعونية القديمة، كما لا يفوتنا هنا أن نذكر بيت الحكمة وما أضافة العلماء العرب من كنوز العلم والمعرفة في شتى المعارف الإنسانية والطبية والدينية أمثال ابن سيناء والرازي والأنطاكي، والزهراوي وغيرهم مما لا يجمعهم كتاب.
3–النقطة الثالثة تتصل بعروبة الأمة وهويتها إذ كانت دولة الإسلام لا تغيب عنها الشمس من أوروبا شمالا، إلى الصين شرقا والهند جنوبا، والقارة الإفريقية غربا هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام سيدة هذا الكون يجب عليها أن تستعيد الماضي برؤى المستقبل، والطريق الوحيد هو طريق العلم والمعرفة. ولقد كتب آباؤنا العرب في ميدان العلوم الطبية والصيدلة صفحات رائعة في تاريخ معالجة آلام البشرية، ولا تزال أسماء الأطباء العرب مسجلة في صفحات التاريخ كأشخاص أسهموا في ميادين التقدم العلمي والاجتماعي. ومعرفة هذا التراث العلمي والتعريف به وديعة ثمينة وضعت في أعناقنا لأننا "من حيث أن اللغة العربية هي لساننا "نستطيع ان نفهم مؤلفات هؤلاء العلماء، وأن ندرسها درسا عميقا لكي نظهر بجلاء الدور الذي أداه أطباء العرب أو المستعربون في تشييد صرح العلم العالمي.
4–كما أن هناك نقطة لا تقل خطورة عن النقط السابقة: الا وهي الكشف عن بعض الامكانات الكامنة في بطون تلك الأسفار القديمة، وعلى الرغم من وجود بعض الأخطاء من الناحية البيولوجية أو الفسيولوجية وغيرهما غير صحيحة فليس معنى هذا أن كل ما في هذه الكتب قد حكم عليها بالفناء، بل تشتمل على بعض التجارب التي سجلها التاريخ ، ويمكن الإفادة منها أو الاستيحاء منها. ونذكر على سبيل المثال أن العالم هملي ( Himly) بعد قراءة نص من بليني المؤرخ الروماني القديم استعمال عصير الأناجاليس ( Anagallis) قبل عملية إظلام عدسة العين ( Cataract) تبادر إلى ذهنه أن يدرس فعل السكران ( Hyocyamus) وست الحسن (Belladonna) على حدقة العين (شحاتة قنواتي، 1996م).
ب –تطور المصطلحات الدالة على الصيدلة والعقاقير:
ـ تراث الصيدلة The Heritage of Pharmacy:
لقد وجدت الأدوية في أشكال نباتية أو معدنية قبل ظهور الإنسان بمدة طويلة. وإن أمراض الإنسان وغريزته في البقاء على مر العصور قادته إلى اكتشافها. إن استخدام الأدوية، مهما كانت فجة يعود دون شك إلى زمن طويل قبل فجر التاريخ، حيث أن غريزة الإنسان البدائي لكي يخفف من آلام جرحه بغمرة في ماء بارد أو بتسكينه بورقة شجر ندية أو بحمايته بالطين هو من عالم الواقع. وبالخبرة تعلم الإنسان البدائي أن علاجا معينا قد يكون أكثر فعالية من العلاجات الأخرى، ومن هذه البدايات جاءت ممارسة المعالجة الدوائية. 
ـ لقد اعتقدت كثير من الشعوب البدائية بأن المرض يسببه دخول الشياطين أو الأرواح الشريرة إلى الجسم. وكان من الطبيعي أن تشمل المعالجة تخليص الجسم من الدخلاء الخارقين للطبيعة. ومن المدونات الممعنة في القدم، كانت الطرق الرئيسية لطرد الأرواح الشريرة هي من خلال استعمال التعاويذ الروحانية، واستعمال المواد الكريهة الرائحة وإعطاء أعشابا معينة أو مواد نباتية.
ـ الصيدلاني الأول The First Apothecary:
قبل عهد الكهانة، كان حكيم أو حكيمة القبيلة، والذي كانت معرفته بالخواص الشافية للنباتات قد تجمعت لديه بالخبرة أو انتقلت إليه عن طريق الرواة، كان يُدعى ليعود المريض أو المصاب ويحضر العلاج. إن تحضير المواد الصيدلانية هو الذي أنشأ فن الصيدلة. 
ـ لقد كان فن الصيدلة دوما مرتبطا بالأشياء الغامضة، وكان يعتقد بأن لممارسيه روابط من عالم الأرواح وهكذا فإنهم يقومون بدور الوسطاء بين المرئي واللامرئي. إن الاعتقاد بأن الدواء له ارتباطات سحرية كان يعني بأن فعله للخير والشر لم يكن يعتمد على صفاته الطبيعية وحدها. 
ـ إن رحمة الإله وطقوس الاحتفالات وغياب الأرواح الشريرة والنية الشافية للمعالج كانت بمفردها أو كلها مطلوبة لجعل الدواء ذي فاعلية علاجية. بسبب ذلك، فإن صيدلي القبيلة كان هو الشخص الذي يخشاه الجميع، ويحترمونه ويثقون به، وأحيانا لا يثقون به ويعبدونه ويقدسونه لأن الاتصالات الروحية كانت تتم عن طريق ترياقه والتي كان يعتمد عليها نجاح العلاج أو فشله. 
ـ إن معرفة الأدوية واستخدمها في المرض كانت على مر التاريخ تعني القوة. في ملامح هوميروس، كان مصطلح "عقار" pharmakon, (كلمة يونانية) الذي اشتقت منه كلمة "الصيدلة" pharmacy, يعني ضمنا تعويذه أو دواء يمكن استعماله لأغراض الخير أو الشر. إن العديد من إخفاقات صيدلي القبيلة كانت دون أدنى شك نتيجة للأدوية غير الفعولة "non-potent" أو غير المناسبة، أو الجرعة غير الكافية والتي عادة ينشأ عنها مضاعفات، أو الجرعة الزائدة والتي تحث التسمم وربما تؤدي إلى الوفاة والوقع أكبر شاهد على هذه المشاكل.
ـ أما النجاحات فإنها قد كانت تعزى إلى الخبرة أو الصدفة المحضة في انتقاء الدواء المناسب أو الشفاء الطبيعي أو التأثير غير الهام للدواء، أو تأثيرات الغفل (التأثيرات الإرضائية) placebo effects, أو المعالجة الناجعة نتيجة للتأثيرات النفسية عوضا عن التأثيرات الدوائية. وحتى في هذه الأيام، فإن المعالجة بالغفل placebo therapy, (المعالجة الإرضائية) بمواد كيميائية غير فعولة أو غير هامة تستخدم بنجاح في معالجة المرضى وهي ممارسة روتينية في التقييم السريري (الإكلينيكي) للأدوية الجديدة، والتي يتم فيها تقييم ومقارنة استجابة الشخص لتأثير الدواء الفعلي مع دواء الغفل (الدواء الإرضائي)، كما أن المعالجة النفسية تصل إلى 40% من الحالات التي تتماثل للشفاء وذلك طبقا لما هو موثق بأحدث المراجع. وهكذا يتضح مما سبق شرحه وإيضاحه أن على الصيدلي مهام شاقة من حيث الإلمام بعلوم عصره، ومتابعة كل ما يستجد حتى يستطيع تقديم خدماته للجمهور بشكل أفضل.
ج –اشتقاق الكلمات الدالة على الصيدلة والعقاقير:
ـ ورد في نشرة جمعية الصيادلة المصرية التعريف الاتي للصيدلة: "الصيدلة هي فن علمي يبحث في أصول الأدوية سواء كانت نباتية أو حيوانية او معدنية من حيث تركيبها وتحضيرها ومعرفة خواصها الكيميائية والطبيعية وتأثيرها الطبي وكيفية استحضار الأدوية المركبة منها".
ـ فتاريخ الصيدلة هو إذا نفس تاريخ الأدوية وطريقة استعمالها وحفظها، ومن المستحسن أن نبدأ بفحص الألفاظ المختلفة التي تستعمل في اللغات الأكثر انتشارا لتسمية الصيدلة ولنبدأ باللغة العربية ثم ننتقل إلى الكلمات المشتقة من اللاتينية واليونانية.
ـ أما الاصطلاح العربي "صيدلي" أو "صيدلاني" فهو على ما يذهب إليه البيروني يدل على المحترف بجمع الأدوية على أحمد صورها واختيار الأجود من أنواعها، مفردة أو مركبة على أفضل التراكيب التي خلدها مبرزو أهل الطب.
ـ ولا شك أن الصيدلة كانت في بدء أمرها متصلة اتصالا وثيقا بالطب حيث كان الطبيب يحضر بنفسه الأدوية التي يصفها لمرضاه ثم أخذت شيئا فشيئا تنفصل عنه.
ـ ويرى البيروني أن كلمة "صيدلاني" تعريب لكلمة "جندلاني" بقلب الجيم صاد كما أن كلمة "جندن" وصندل تدل على أفواه الطيب العطر أو ينسبون الكلمة إلى "الصندل"، وفي كلتا الحالتين يظهر جليا أنها كانت تدل أصلا على أن الصيدلي هو الشخص الذي يجمع الأعشاب النافعة للتطبب، ولا غرابة في أن اسم الصيدلي مشتق من الصندل الذي هو النكهة المميزة لأصل العطور والروائح؛ لأن كثير من الأدوية النباتية لها نكهة عطرية.
ـ ويقابل هذه الكلمات في القرون الوسطى عند اللاتينيين الكلمات الأتية: Pigmentarius,) Herabarius, Aromatarius).
ـ أما الدواء فيقابله في الصيدلة كلمة "عُقار" وجمعه عقاقير وكلمة عُقار (بالضم لا بالفتح كما هو شائع) بجميع معانيها مشتقة من الكلمة العبرية الآرامية "عِقَار" معناها أصول النبات لأن أساس الأدوية عند الشرقيين كانت أصول الأعشاب. وقد اتسع بعد ذلك معنى هذه الكلمة فدلت على جميع أجزاء الأعشاب المستعملة للعلاج ثم ضُمنت الأدوية الحيوانية والمعدنية. ويقول بروكلمن في معجمه السرياني إن الكلمة موجودة أيضا باللغة الحبشية (عِقٌارا" التي معناها: أصل و"دواء" 
ـ ويقابل العقار اليوناني كلمة (Pharmakon) السابق شرحها، وكانت هذه الكلمة في الأصل تدل عند الشاعر هوميروس على نوع من الفعل السحري لبعض اعشاب لها أثر طبي ولكنه في نفس الوقت سام فانتزع منها هذا الضرر، وأصبحت الكلمة تدل فقط على صفة الشفاء وانحصر المعنى في الدلالة على التطهير في المعنيين.
ـ وإلى هذا الأصل اليوناني ترجع الاصطلاحات في اللغات الأوروبية مثل Pharmacein, Pharmacist, Pharmaceutics
ـ أما كلمة Apothecarius, Apotheker, Apothicaire, Apothecary فهي مشتقة من اليونانية بمعنى "الدكان" أي الدكان الذي تباع فيه الأدوية.
ـ أما كلمة "أقرباذين" أو أيضا "قراباذين" فهي يونانية الأصل، يقول حاجي أحمد في هذا الصدد "أقراباذين" هو لفظ يوناني معناه التركيب أي تركيب الأدوية المفردة وقوانينها.
ـ وهناك محاولات أخرى لتحليل أصل الكلمة يرى هامر (Hammer) أن الأصل اليوناني هو (Akribeia Diaita) "أي النظام الدقيق للغذاء"، وفي نظر فرين (Fraehn) معنى الشطر الأول من كلمة أقراباذين مشتق من الفعل (Kerao) بمعنى المزج.
ـ وفي الطبعة الأولى لدائرة المعارف الإسلامية يذهب ليبرت (Lippert) إلى أن هذه الكلمة أخذت عن الكلمة السريانية "جرافاذين"، وهذه أخذت عن الكلمة اليونانية (Graphidiodn) ومعناها "رسالة صغيرة"، كما يعرف عيسى بن علي الأقراباذين بأنه رسم الأدوية أو النسك أو المجموع.
ـ ولا شك أن الكلمة أخذت عند العلماء العرب في القرون الوسطى مدلولا دقيقا هو "الأدوية المركبة ". فالكتاب الخامس من "القانون في الطب للابن سيناء مثلا للأدوية المركبة وهو أقراباذين"، وهو يشتمل على اثنتي عشرة مقالة في الترياقات والمعاجين والأيارجات، والجوارشنات، والسفوفات والقمايح و اللعوقات .
ـ أما في العصر الحديث فقد اصطلح العلماء المتأخرون على أن يطلقوا كلمة "أقراباذين" لترجمة كلمة "Pharmacology" وهو علم طبائع الأدوية وخواصها.
ـ يتضح جليا من هذه المقدمة البسيطة أن العرب استوعبوا كل ما كان أمامهم من هذه المعارف في المجال الطبي وغيره، وأضافوا عليها ونقحوها بل وانتقدوا بعض مؤسسي الطب الأقدمين في مفهوم الدورة الدموية، والتشريح والفسيولوجي، وغيرهم، مثل أبقراط وجالينوس وغيرهم.
ـ المراجع: 
1–محمد زهير البابا مطبعة طربين جامعة دمشق ( الطبعة الثالثة). 1405هـ، 1985م.
2–الدكتور الأب ج. شحاتة قنواتي. تاريخ الصيدلة والعقاقير في العهد القديم والعصر الوسيط، طبعة أوراق شرقية، بيروت 1417هـ - 1996م.

"عميد كلية الصيدلة في جامعة ذمار سابقا وأحد أهم علماء الصيدلة في اليمن"
للتواصل مع البروفيسور أحمد المخلافي على هذا الإيميل:
mekhlafiahmed@yahoo.com.

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
نقيب الصيادلة اليمنيين/ د. فضل حراب
سؤال يبحث عن جواب!
نقيب الصيادلة اليمنيين/ د. فضل حراب
مقالات
أ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافيواجبات الطبيب وأخلاقية مهنة الطب
أ.د.صيدلاني/أ.د.أحمد المخلافي
دكتورة/د.لينا الإريانيوزارة الصحة..سراب يسمونه إنجاز!
دكتورة/د.لينا الإرياني
نقيب الصيادلة اليمنيين/د. فضل حرابكن شريكا في مكافحة الفساد!
نقيب الصيادلة اليمنيين/د. فضل حراب
المزيد